عبد العزيز عتيق

102

علم البديع

بِالْأَبْصارِ ، إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار ، ولكنه يمتنع عادة . والذي زاد وجه الإغراق هنا جمالا هو تقريبه إلى الصحة بلفظة « يكاد » ، واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة ، فقلبت من الامتناع إلى الإمكان . ومن شواهد تقريب نوع الإغراق بلفظة « لو » قول زهير : لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا فاقتران هذه الجملة أيضا بامتناع قعود القوم فوق الشمس المستفاد بلو « هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق » على حد قول ابن حجة الحموي . ومما استشهد به أيضا على نوع الإغراق بلفظة « لو » التي يمكن الإغراق بها عقلا ويمتنع عادة قول القائل : ولو أن ما بي من جوى وصبابة * على جمل لم يدخل النار كافر وقبل الحديث عن الإغراق في هذا البيت نذكر أن فيه نظرا من طرف خفي إلى قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ فالجمل له معنيان : الذكر من الإبل والحبل الغليظ ، وسم الخياط : ثقب الإبرة . فالمعنى هنا أن المكذبين بآيات اللّه والمستكبرين عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ، أي لا تقبل دعواتهم ولا أعمالهم ، ولا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل بأي معنى من معنييه السابقين في ثقب الإبرة . وبما أن دخول الجمل المعروف أو الحبل الغليظ في ثقب الإبرة الضيق الصغير أمر بعيد فكذلك دخول هؤلاء المكذبين بآيات اللّه الجنة أمر مستبعد .